كما ورد في القرآن الكريم
لقد ذكر الله تعالى في قرأنه المجيد أخلاق الرسول ( ص ) وشيمة العالية:
وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3)وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ(5)بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ(6)إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(7). سورة القلم 1 – 7 . "
هذه الآيات تؤكد استمرار اكتساب النبي للأجر والحسنات ، وتخبرنا عن تقوى النبي ( ص ) وخشيته من ربه وتمتدحه لفضائل أخلاقه وسموها.
والأخلاق الحسنة هي من اعظم دلالات ودعائم الإيمان حيث قال ( ص )
" كمال الإيمان حسن الخلق " 4
كما وان معرفة أسس الأخلاق الفاضلة والبحث عنها وتطبيقها هي كذلك من أسمى العبادات .
أوردنا في هذا الفصل من الكتاب بعضا من الآيات القرآنية من الذكر الحكيم التي تعدد خصائص وفضائل نبينا الكريم ( ص ).
" نبينا ( ص ) يلتزم باتباع ما يوحى إليه "
Hamid Aytac. A calligraphic inscription in
the celi thuluth script. In a hadith, the Prophet (saas) stated
that the best people are those who are useful to others.' |
ورد ذكر كثير في القران الكريم إن النبي ( ص ) اتبع ما يوحى إليه من ربه ولم يتبع أو يفعل ما يريده الناس أو ما يرضون عنه. حتى إن بعض من عاصروه من أهل الشرك و أهل الكتاب قد طلبوا من الإتيان بأحكام تؤمن لهم منافع وترضي رغباتهم. ورغم كون هؤلاء اكثر قوة واعز نفرا، فان النبي( ص ) تمسك بحكم الله والقران ولم يتزحزح أو يضعف. وتخبرنا الأبيات البينات عن ذلك
"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(16). " سورة يونس–15 – 16 ."
لقد نبه الله نبيه وحذره من تصرفات قومه تلك:
"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48) وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ(49). " سورة المائدة – 48 – 49
خير الناس من نفع الناس
لوحة بخط الثلث الجلي للخطاط حامد آيتاج
Who
could do greater wrong than those who invent lies against Allah?
Such people will be arrayed before their Lord and the witnesses
will say, 'Those are the ones who lied against their Lord.' Yes
indeed! Allah's curse is on the wrongdoers, (SurahHud:18) |
وقد ابلغ النبي ( ص ) قومه والناس جميعا ما اوحي إليه من ربه بثبات قلب وقوة إرادة ، وهذه الآية تعزز موافقة تلك
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ(50)" سورة الأنعام – 50 –
إن الدين الحق قد ابلغ إلى الناس بهذا الثبات وقوة الإرادة وهذه حقيقة تظهر تفوق الرسول ( ص ) على سائر البشر بشكل لا لبس فيه ولا ريب. إن الناس من جميع العصور و الأزمان يبدون ضعفا واهتزازا أمام جبروت القوة والقهر والمغريات والأهواء. وكثير من المؤمنين و أصحاب العقيدة يظهرون هذا الضعف والتراخي وينهزمون. وبدلا من التمسك بأهداب العقيدة الدينية يضطرون إلى التنازل عنها أو ترك بعض منها، أو لا يقدرون على ترك بعض ما اعتاد الناس عليه من امور لا يرضى بها الدين . وربما لا يطبقون بعضا من الأوامر الدينية خجلا أو خشية أو رهبة من الناس ومن حولهم من أصدقاء وأهل وعشيرة. أو لا يتركون أو يتخلون عن بعض العادات والتقاليد المخالفة لا أوامر الدين، ويلجون إلى الأخذ ببعض الفرائض ويتناسون أو يتجاهلون ما لا يرضي أهوائهم، وقد يلجون إلى تفاسير وتأويلات لتبرير مواقفهم تلك.
ومما لا ريب فيه أن النبي ( ص ) لم يتساهل أو يتنازل أبدا أمام مثل تلك المواقف أو الطلبات. وبدون أن يأخذ بالاعتبار ما عدا تمليه عليه خشيه الله تعالى ورضاه والحرص على دعوته ، فقد بلغ آيات القران المنزل إليه إلى الإنسانية بدون تغيير أو تبديل أو خشية، ضاربا عرض الحائط كل المقاصد الشخصية والاعتبارات النفعية. ويذكر الله عز وجل هذه المزايا المحمدية من الخشية من الله والتقوى والأيمان العميق :
" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى(1)مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(2)وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)" . سورة النجم 1 – 5 .
"وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ(7). " سورة الحجرات – 7 –
"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(18) سورة هود – 18 –
* " توكل النبي ( ص ) على ربه نموذج لكل الناس "
Haci Nazif Bey. A verse from the Qur'an: "Do not consider Allah to be unaware of what
the wrongdoers perpetrate..."
(Surah Ibrahim: 42) |
لقد بين القران الكريم وضوح وجلاء، عظم توكل النبي ( ص ) وتسليمه اموره إلى الله تعالى، كقوله في الآيات المتعلقة بالهجرة النبوية واحتمائه هو وصاحبه في غار حراء بعد خروجهما من مكة، ففيها كل معاني التوكل:
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40) " سورة التو به – 40 –
لقد سلم النبي ( ص ) كل أمره إلى ربه وفي كل ظرف وحال وحين. واعتقد جازما إن الخير والجمال في كل ما خلقه الباري، وفي الآية التالية حيث يأمره ربه بإبلاغ الناس، خير دليل على هذا التوكل والتسليم
"إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ(50)قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51) " التو به – 50 – 51 –
كان توكل الرسول ( ص ) خير مثال ونموذج للمسلمين، إن ما يأتي من عند الله تعالى لا تستطيع أي قوة مهما عظمت أن تغيره أو تبدله، وفي هذا جاء في الحديث
" ما قدّر انفسي شيء إلا هي كائنة " 5 .
" إذا سالت فاسئل الله تعالى، وإذا استعنت فاستعن بالله تعالى، فان العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك. جفت الأقلام وطويت الصحف .... " 6.
إن من يتبع سنة الرسول ( ص ) من المؤمنين يسلمون أمورهم إلى الله ويتوكلون عليه في كل ما تصيبهم من مصيبة أو محنة وان في كل ما قدره الله خير وحسنة. ولا ننسى أن النبي ( ص ) وهو احب خلق الله إليه واتقاهم صادفته مصاعب عظيمة وحوادث جسيمة، واختبر وامتحن.
فقبل كل شيء لقي الكثير من الصعاب من الناس الذين ارسل لتبليغهم الرسالة من المشركين الذين لم يتركوا آبائهم، وما قاموا به من أذى ونفاق ووضع العراقيل والمهالك أمامه. وطلبوا منه أن يأتيهم بآيات حسبما تهواها نفوسهم المريضة، بل و حاولوا نفيه وحصاره وحتى تآمروا على اغتياله، واستمروا في أذاهم ووقوفهم أمام تبليغ الرسالة.
غير إن النبي ( ص ) وبمزيد من الصبر والثبات، كان جوابه لهم هو الإصرار على المضي والاستمرار في تبليغ رسالة الله، وحمايته المؤمنين وتربيتهم في المدرسة القرآنية. إن وراء كل هذا الجلد والصبر والثبات والعزم الراسخ، إيمانه العميق وتوكله على ربه وتسليمه أموره جميعا إليه. لقد آمن كما كان حاله في الغار إن كل ما يأتي من الله تعالى فيه الخير والجمال والفلاح، وان في كل ما خلقه الله لابد وان تكون عاقبته الخير العميم. وفي حديثه خير مثل على هذا التوكل حين يصف حال المؤمن:
" ... عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا ، وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا .. " 7
From the G. Mesara collection. A verse from
the Qur'an in Esma-i Nebi calligraphic style: "We have only sent
you as a mercy to all the worlds." (Surat al-Anbiya': 107) |
مع هذا الإيمان العميق كان الرسول ( ص ) يرى أن على المرء أن يبذل جهده ويعمل على ما يقدر عليه، ويترك النتيجة لتقدير الله . وكان هذا مصدر ثقة واطمئنانه، وقد نصره الله و أيده دائما جزاء صبره وتوكله.
التزم الرسول ( ص ) دائما بوصايا ربه إليه بالصبر على ما يلاقيه من محن ومصاعب، وحرص على هذا الالتزام طوال حياته، وهذا ما تؤيده الآية
" وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(81)" النساء – 81 –
وتظهر آية أخرى مدى التزام الرسول بالتوكل على ربه وتسليم أمره إليه وفي احلك الظروف و أكثرها حراجة
" فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20)". آل عمران – 20 -
وفي حديث نبوي، يضرب لنا مثلا لما يلاقيه المتوكل على ربه بحق من جزاء و إحسان :
" ولو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدوا خماصا وتروح بطانا .. " 8
إن خير مرشد ودليل للمؤمنين هو كلام الرسول ( ص ) و أفعاله وعليهم أن يتوكلوا على الله ويسلموا إليه أمرهم في كل الأحوال وعند مصادفتهم للمصاعب أو مالا ترضاه أنفسهم من أمر، عليهم أن يتذكروا آيات القران، وان الله خالق كل شيء وان يضعوا أمام أعينهم سيرة الرسول ( ص ) ويتذكروا توكله وصبره دائما.
و لا تسحبن الله غافلا عما يعمل
الظالمون لوحة تحتوي على آية من القران الكريم – سورة إبراهيم – 42 –
بخط الحاج نظيف بيك * " كان النبي ( ص ) يبغي رضا الله وحده، ولم ينتظر من الناس أجرا "
But
if they turn away, say, 'Allah is enough for me. There is no god
but Him. I have put my trust in Him. He is the Lord of the Mighty
Throne.'
(Surat at-Tawba: 129) |
إن من خصائص أسس الإيمان في الدين الإسلامي أن يعتقد الإنسان إن جميع أعماله وتصرفاته وعباداته هو لإرضاء الله وحده. يبغي من ورائها رحمة وجنته، وان يبني حياته على خشية الله
" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)" الأنعام – 162 –
إن الدين لله تعالى والمؤمن لا يملك لحياته أو نفسه شيئا. أما إذا ما تمسك بالله ولم يشرك به شيئا ووهب حياته لله وحده وابتغى رضاه في كل ما يفعله، وصمد على الإيمان بصدق، فانه بذلك يكون من زمرة المخلصين.
" إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(146)" . النساء – 146 –
إن المؤمن المخلص في إيمانه لا ينتظر رضا الناس أو كسب حبهم وتقديرهم و إعجابهم، وله من الرسول الكريم ( ص ) وبقيه أنبياء الله والمرسلين المثل الصالح أمامه. لم يطلب الرسول ( ص ) أية منافع دنيوية أو فوائد مادية، بل رضا الله وحده لا غير. وجاهد في حياته لإرضاء ربه والفوز بجنات الخلد
" قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86)" سورة ص – 86
" قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(47)" سورة سبأ – 47 –
" ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(44)" سورة المؤمنون – 44 –
* " الرسول ( ص ) وصبره الجميل أمام المحن والمصاعب " .
Haci Nazif Bey. A verse from the Qur'an: "...
[Allah commands you] When you judge between people, to judge with
justice. (Surat an-Nisa': 58) |
لقد تعرض الرسول ( ص ) خلال فترة نبوته – وكما أسلفنا – إلى الكثير من المصاعب والمحن، وسمع من قومه من المشركين الكثير من الكلام القاسي. قالوا عنه ساحر بل مجنون ، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى تدبير المؤامرات لاغتياله وقتله. ورغم كل هذا فقد استمر في تبليغ الرسالة ، ونصح الناس وإرشادهم إلى الخلق القرآني و الأعمال الصالحة الطيبة وبلغ جميع الناس على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم ومشاربهم.
وكما توضح بعض الآيات القرآنية فان الرسول ( ص ) واجه بصبر كبير تصرفات بعض الناس الذين لم يكونوا يحملون الحد الأدنى من مفهوم الأخلاق والنبل رغم رقته ولطفه وسمو شمائله، وكان ملاذه وملجأه ربه يطلب منه العون، ويوصي المؤمنين بالتزام الصبر والجلد والتوكل على ربهم. وجاءت الآيات تثبت من موقفه وتنصحه بالثبات والصبر كقوله تعالى:
" فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ(39)". سورة ق – 39 –
" وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(65)" سورة يونس – 65 - .
" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97)" سورة الحجر – 97 -.
" فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(12)" سورة هود – 12 –
إن ما تعرض له رسولنا ( ص ) من الأذى الكثير وصبره وخلقه الجميل يدعو المؤمنين برسالته إلى التفكير بعمق إلى ما ضربه لنا من أمثال ينبغي علينا إزاءها أن نقتدي به واخذ الدروس منه. ويجب أن لا يخفى على المؤمنين إن تخاذلهم أمام أعدائهم وانهزامهم عند أول ضغوط يتعرضون لها أو أذى يصيبهم أو عند خسارتهم لتجارتهم أو مناصبهم ، وتركهم العدوة إلى كتاب الله ودينه، كل هذا لا يتماشى مع كتاب الله وسنة رسوله ( ص ). إن غاية المؤمن هي رضا الله والفوز بنعيم جنانه، وهذا يأتي مع الصبر وتحمل الخطوب والحوادث والتوكل على الله وشكره وحمده، إسوة بنبيهم صاحب الخلق العظيم ( ص ).
صورة شارلس روبرتسون / متحف غاليري لندن .
" وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلًا(55)" سورة الكهف / 55
* " تصرف النبي ( ص ) مع أصحابه بالحسنى "
Sami Efendi (1838-1912). A callighraphic inscription
in celi ta'liq script. Qalam-i Kibar (apothegm), "The primary requirement
for wisdom is fear of Allah." |
أحاط بالنبي جموع من المؤمنين وهم على درجات متفاوتة ومختلفة جدا من المستويات والمشارب والطباع. وتصرف النبي ( ص ) مع كل واحد منهم بخصوصية، مرشدا لهم وناصحا ومنبها إلى أخطائهم وهفواتهم وموجها لهم بدء من اصغر الامور إلى أخطرها، بدءا من النظافة وانتهاء بالإيمان.
ولقد أدت معاملة النبي ( ص ) للمؤمنين بالرحمة والحسنى واللين إلى كسب قلوبهم والفوز بحبهم وارتباطهم الوثيق وبقوة وصدق وتفان. وجاء وصف تعامل النبي ( ص ) هذا في القران على شكل مديح وثناء:
" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(109)". سورة آل عمران / 109
كما ارشد الله نبيه في آية أخرى كيف يعامل من حوله:
" نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ(45)" سورة ق / 45
لم يكن الرسول ليدعو الناس إلى الإيمان بالضغط والتهديد و الإكراه، وإنما دعاهم باللطف واللين وبأسلوب جميل في جميع الأحوال والظروف. كان النبي صاحب الوجدان الكبير يحنو على أصحابه وأمته ويبسط لهم جناح الرحمة والأبوة وكان بمثابة ولي أمرهم والمسؤول عنهم، إلى جانب كونه صاحبهم ورفيقهم . و لهذا جاء وصفه في القران بـ " صاحبكم " :
" قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(46)/ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(2)سورة النجم – الآية 2 / وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ(22)سورة التكوير – الآية 22 " .
وقد أدرك أصحاب رسول الله ( ص ) هذا، فأحبوه وقدروه حق قدره وفضلوه حتى على أنفسهم و أهليهم واقرب الناس إليهم، وكما ورد ذكر ذلك في القران:
"النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(6). " سورة الأحزاب / 6 " .
لوحة فنية تحتوي على أسماء النبي وآية قرآنية
" وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين " .
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(107) سورة الأنبياء – 107من مجموعة ج . ميسارا بخط مصطفى حسين
يلخص لنا حجة الإسلام الإمام الغزالي مجمل أخلاق النبي ( ص )في التعامل مع أصحابه ومن حوله من الناس:
" ما استصفاه أحد إلا ظن انه اكرم الناس عليه ، حتى يعطي كل جالس إليه نصيبه من وجهه ... ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم ... ويكنّي أيضا النساء ... ويكنّي الصبيان فيستلين به قلوبهم ، وكان ابعد الناس غضبا وأسرعهم رضا ، كان أرأف الناس بالناس وخير الناس للناس وانفع الناس للناس ..."9
إن خلق النبي ( ص ) في التعامل مع الناس من حوله بلطف ورقة وحنان وفكر رصين، فتح قلوبهم إلى الإسلام وادخل إلى نفوسهم حرارة الإيمان. وهذا الخلق الرفيع مصدر الهام لجميع المؤمنين عليهم الوقوف على أسراره وكنهه.
"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179). " آل عمران / 179 .
"فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(129). " . سورة التوبة / 129 . يقول الله تعالى :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(135)" سورة النساء / 135 .
إن نبينا محمد ( ص ) مثال العدالة للإنسانية وذلك لحكمه العادل والملتزم جانب الحق دائما، سواء أكان ذلك مع المسلمين وفيما بينهم، أم مع غيرهم من منتسبي الأديان الأخرى وكذلك مع الأقوام المختلفة دون النظر إلى اللون أو العرق أو اللسان او الجنس. فقيرهم وغنيهّم سيان أمام العدالة. في آية قرآنية يوجه الله الكلام إلى النبي ( ص ):
" سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(42) " سورة المائدة / 42
رغم قسوة قومه وغلظتهم فان الرسول ( ص ) لم يخرج عن خط العدالة و أوامر الله و نواهيه في تعامله معهم، مطبقا قوله تعالى
" قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ(29)" الأعراف / 29 " .
ليكون بذلك القدوة و الأسوة الحسنة. العديد من الحالات و الوقائع في حياة الرسول ( ص ) تؤكد حرصه على التزام جانب العدالة والحق في أحكامه رغم اختلاف الألسن والأعراق والأديان والقبائل في المحيط الجغرافي الذي كان يحوي خليطا متنوعا من البشر. كان من الصعوبة خلق أجواء عيش مريحة ومستقرة لا يؤثر فيها دجل المنافقين أصحاب النفوس المريضة، لاسيما وان اكثر من أهل البداوة والقبائل كانوا مستعدين للاقتتال لأبسط و أوهن الأسباب، فيبادرون إلى سل السيوف على بعضهم البعض، ولكن الرسول ( ص ) كان مصدر راحة واطمئنان وسلام لكافة الناس ومنهم غلاظ القلوب هؤلاء. وقد كان النبي ( ص ) في عصر صدر الإسلام السعيد يعامل كافة منتسبي الأديان الأخرى أيضا بميزان العدالة والحق. فقد كان من بين ساكني جزيرة العرب النصارى واليهود وعبدة الأصنام وغيرهم. ولم يكن ليقبل أن يغير أحدهم دينه تحت الإكراه والضغط
Hüseyin Kutlu. Calligraphy reading 'Mashallah.' |
" لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)" البقرة / 256 " .
و إنما بالإرشاد والمجادلة وبالتبشير بين الحق وبالتي هي احسن، وبالاختيار الحر. وفي آية أخرى يبين الله تعالى لنبينا ( ص ) كيفية التعامل بالعدل والتفاهم والأنصاف مع منتسبي الأديان الأخرى:
" فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15)" / سورة الشورى / 15.
إن هذا الخلق النبوي القرآني في التصرف تجاه الأديان الأخرى ينبغي أن يؤخذ مثالا يقتدى به في التعامل بيد الأمم في أيامنا هذه.
إن العدالة المطلقة للنبي ( ص ) كان قد اصلح ما بين الأعراق المختلفة كذلك. وقد أكد ( ص ) في الكثير من أحاديثه وحتى في خطبة الوداع على عدم تفوق جنس أو قوم على آخر تصديقا للقران الكريم كون التقوى هو الميزان للتفاضل بين الناس:
"يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13) " الحجرات/ 13.
لقد ذكر الرسول ( ص ) في حديثين شريفين:
( أيها الناس كلكم من آدم وآدم من تراب ... )10
( عن حذيفة ( رض ) قال، قال رسول الله ( ص ) ( كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب. ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان...).11
( يا أيها الناس ... ألا لا فضل لعربي على أعجمي على عربي ولا لأحمر على اسود ولا لأسود على احمر إلا بالتقوى .. ) 12
( .. " ولنجران وحاشيتهم جوار الله ذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم و أرضهم و أموالهم و غائبهم ومشاهدهم ، وبيعهم ، لا يغير أسقف عن سقيفاه و لا راهب عن رهبانيته ولا واقف عن و قفانيته ... " ) 13
( " وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا(20) سورة الفرقان الآية / 20
وتعتبر وثيقة العهد المدني التي تنظم العلاقة بين المسلمين ويهود المدينة ومشركيها نموذجا رائعا آخر. حيث بهذه الوثيقة عمم الإسلام وحل الصلح والأمان بين أقوام كانوا على خصومة واقتتال لزمن طويل قبلها. ومن النقاط البارزة لوثيقة العهد المدني تأكيدها على حرية الفكر والعقيدة حيث جاء في النص
" ... وان ليهود بني عوف أمة مع المسلمين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم و أنفسهم ..." 14.
و تشير المادة 16 من الوثيقة
" وانه من تبعنا من اليهود فان له النصر و الأسوة غير مظلومين ولامتنا صر عليهم ... " 15.
وقد التزم خلفاء الرسول ( ص ) و أصحابه من بعده بروح هذه النصوص وطبقوها على أصحاب الأديان والمذاهب الأخرى مثل المجوس والبراهميين والبوذيين والبربر و أمثالهم. 16
وامتاز عصر السعادة – صدر الإسلام الأول – كونه عهد سلام ووئام واطمئنان بفضل عدالة الرسول ( ص ) المستندة إلى الأخلاق القرآنية والأوامر الربانية. لقد شملت عدالة الرسول ( ص ) غير المؤمنين به أيضا باعثة لديهم الطمأنينة والثقة حتى أن الكثير من المشركين طلبوا عهد النبي ( ص ) وحمايته. وأوضحت آيات القران الكريم كيفية تنظيم العلاقة مع هذه الفئات من الناس
" وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ(6)كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(7)" سورة التوبة – 6- ، 7 – ".
إن اتباع الخلق القرآني في تطبيق مفاهيم العدالة والحق بين الأقوام والأجناس والأعراق المختلفة من حيث اللون والجنس واللغة هو البلسم والعلاج لمشاكل العلم وما يعانيه من الوقائع المؤلمة والحروب والاضطرابات وعدم الاستقرار الذي يعم أرجاء المعمورة في أيامنا هذه
( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )
لوحة خط، الآية 58 من سورة النساء، للخطاط الحاج نظيف بيك.
(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) سورة هود – 56 -.
(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا(58) سورة الكهف – 58-. * " من يطع الرسول ( ص )، يطع الله ".
هؤلاء الرسل اناس مباركون يوحى إليهم إرشاد الناس إلى عبادة الله تعالى والأيمان بالأديان المنزلة واتباع وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه ويجعلون من هؤلاء المؤمنين من البشر نماذج للإنسان الكامل في معيشتهم الدنيوية وتصرفاتهم ونظرتهم إلى الامور الحياتية والمعيشية بما يرضي خالقهم. والقرآن الكريم يبين للناس إن اتباع الأنبياء والرسل هو طريق الخلاص وبالتالي النعيم المقيم. لذلك فان إطاعة رسول الله ( ص ) تعتبر من لب العبادة كما قال الله تعالى
" وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا(64)" سورة النساء / 64
وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا(69)"سورة النساء / 69
تؤكد الكثير من آيات القران على أن إطاعة الرسول ( ص ) وإطاعة الأنبياء المرسلين إطاعة لله تعالى، أما الذين يعصون الرسل ويقفون أمام أداء رسالاتهم فهم في معصية الله تعالى أيضا:
"مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا(80) " سورة النساء / 80
" إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(10) ". سورة الفتح / 10 .
وفي حديثه الشريف يؤكد الرسول ( ص ) على هذه الحقيقة * " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله " 17 .
Give
the good news to those who believe and do right actions that they
will have Gardens with rivers flowing under them. When they are
given fruit there as provision, they will say, 'This is what we
were given before.' But they were only given a simulation of it.
They will have there spouses of perfect purity and will remain there
timelessly, for ever.
(Surat al-Baqara: 25) |
آيات القران الكريم تخبر المؤمنين أن الرسول ( ص ) هو مرشدهم وحاميهم وحريص عليهم وهو بهم رؤوف رحيم. لذلك فلم يكونوا يعملون عملا أو يخطون خطوة في جميع امورهم دون الرجوع إليه واستشارته واخذ رضاه مسبقا. كما كانوا يحرصون على إبلاغ الرسول ( ص ) و إخباره عن أي أمر أو حدث يهم المسلمين في مناحي حياتهم المختلفة، اقتصادية أم أمنية أم حياتية، ليتقفوا على إرشاداته وتعليماته في كيفية مواجهة المواقف والوقائع. إن منطوق الآية الآتية يرحج كافة الأمور إلى الرسول ( ص ) وإلى أولي الأمر منهم بشكل واضح وقاطع، كيف لا وإطاعة الرسول ( ص ) تعتبرمن الأخلاق الإسلامية والآداب القرآنية أمر المسلمون باتباعها والتمسك بها:
" وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(83)" سورة النساء / 83
إن هذا الأمر الإلهي فيه الحكمة البالغة والخير الكثير. و أوامر الرسول ( ص ) هي في صون وحماية الله تعالى، فلابد أن فيها كل الخير والصلاح، لاسيما وان الرسول ( ص ) بشخصه الكريم هو اكثر الناس عقلا وحكمة ودراية، وان الناس في العبادة يرجعون ويتوجهون في أحكامهم ومسائلهم إلى ذوي الحكمة والعقل والتجربة لتلقي النصائح والتوجيهات. وكانت الحكمة البالغة في تجميع كافة الأمور والأخبار لدى شخص الرسول ( ص ) هي في خروج أحكام وقرارات حكيمة وخطيرة بكل سلاسة ويسر لما يمتاز به الرسول ( ص ) من الخصائص الفريدة. وفي آية الزم الله تعالى كافة المؤمنين أن يحلموا الرسول ( ص ) في أية خلافات تحصل بينهم. إن هذا الإلزام في التوجه إلى الرسول في كل أمر فيه الكثير من الحكمة إلى جانب ما تقتضيها وتحكمها أصول الأدب والوجدان الإيماني. ومن جهة اخرى فان تقبل حكم الرسول بطيبة نفس ورضا كامل مطلوب من المؤمنين، حتى وان كان ظاهر هذا الحكم يتنافى ويتصادم مع رغباتهم ومصالحهم ، فعليهم تنفيذه وقبوله بكل اطمئنان نفسي وروحي عميق. وهذا ما وصفته الآية الكريمة:
" فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65)". سورة النساء / 65
ولم يرضي هذا الوضع بعض ضعاف الإيمان والمنافقين وحاولوا رفض تجميع الأخبار و الأحكام بيد الرسول ( ص ) وحده، وبث التفرقة والنفاق والفساد ناسين أن الرسول ( ص ) وأوامره و أحكامه وقضاؤه في حفظ الله وصونه ورعايته ":
"وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61)". سورة التوبة / 61 .
لم يكن يدرك ضعاف النفوس هؤلاء ولم يقدروا عظمة قدر النبي ( ص ) وعلمه بكل شيء واطلاعه على دقائق الامور وذلك بسبب بعدهم عن الإيمان الحقيقي وبقائهم تحت تأثير الأحكام والمفاهيم الجاهلية والضلالة. إن من تطغى عليه قيم الجاهلية لا يستطيع إدراك مفاهيم الجمال والخير، ومن ثم لا يسخر علمه ومعارفه في سبل الصلاح والرشاد ومنافع الناس بل جل همه وغايته بذر النفاق والشقاق بين الناس وخلق أجواء الفين والتفرقة و الإيقاع بينهم. لقد كان الرسول ( ص ) حريصا على أن يحافظ على سلامة المؤمنين ومن والاه من الناس، ويصون مصالحهم ومنافعهم ، ويدفع الأذى والضرر عنهم، ويحبط كيد الكائدين من أصحاب النفاق وناشري الأكاذيب و الأراجيف. عرفهم و حددهم ووقف على نياتهم ومقاصدهم وكانت أخبارهم تصل إليه، وحاول أن يرجعهم إلى صفوف المؤمنين، وكان حرصه كبيرا في اتخاذ المواقف و الأفعال الكفيلة برفع معنويات المؤمنين وزيادة أيمانهم وتكاتفهم وتلاحمهم لدفع كيد الكائدين وقبر آمالهم الخبيثة. وقد وصفه ربه " اذن خير " لا يأتي منه ومن أقواله و أفعاله وحكمه وقضاءه إلا الخير العميم للمؤمنين بل وللبشرية جمعاء.
" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)" سورة البقرة / 285
" لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)" ( سورة البقرة 286) * " النبي ( ص ) بشر وانذر الناس وخاطب وجدانهم وضمائرهم بالحكمة والموعظة الحسنة ".
لقد قام النبي ( ص ) ومنذ نزول الوحي عليه بإرشاد الناس وموعظتهم ودعوتهم إلى دين الله والى الطريق القويم واستمر بذلك طوال حياته الكريمة. وخاطبته آية قرآنية:
( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)) سورة يوسف – 108 - .
و لا ريب أن النبي ( ص ) صادف في طريقه الكثير من المصاعب والمتاعب حين قام بنشر رسالته و إنذار الناس وإرشادهم إلى التمسك بالأخلاق القويمة فمنهم من لم يؤمن به حسدا أو حقدا أو ضغينة في نفسه ومنهم من سمع ولم يستجب، ومنهم من آمن قولا ولما يدخل الإيمان إلى سويداء قلبه، ومنهم من لم يفقه ما سمعه من آيات الله. هؤلاء و أمثالهم اظهروا معه في التعامل سوء الأدب والخلق وأساءوا التصرف إلى حدود بعيدة. لم تؤثر فيه ( ص ) كل هذه العراقيل والعقبات واستمر بدعوته بثبات قلب وإصرار و إقدام عظيم. تصف هذه الآية هؤلاء الناس في قوله تعالى:
(هَاأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(119). آل عمران / 119.
أما الآية آلاتية فتوضح موقف المنافقين وموقف النبي ( ص ) منهم:
(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنْ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ(36)) سورة الرعد / 36.
استمر النبي ( ص ) على دعوة المنافقين إلى حظيرة الإيمان رغم ثبوت عدائهم وحقدهم عليه لعل الله يهديهم ويفتح قلوبهم إلى دعوة الإسلام، وحاول إفهام أحكام الدين بكل جلاء ووضوح، ولكن موقف المنافقين أوضحته هذه الآية الكريمة:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(61) سورة النساء / 60 – 61
( " وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنْ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ(36) سورة الرعد / 36.
" قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين " . سورة يوسف / 108
و بالرغم من أن تصرف المنافقين مع الرسول ( ص ) بسياسة النفاق والرياء واللؤم فقد توجه اليهم آملا رجوعهم إلى الحق والصواب، مخاطبا ضمائرهم وأعماق أنفسهم. وفي هذا تقول الآية:
...
the Messenger, commanding them to do right and forbidding them to
do wrong, permitting them good things and forbidding them bad things,
relieving them of their heavy loads and the chains which were around
them...
(Surat al-A'raf: 157) |
" أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا(63)" سورة النساء / 63
إنها لمسؤولية كبيرة وموقف عظيم هذا الذي تصرف به الرسول ( ص ) في إرشاد من يكن العداوة والبغضاء والاستمرار بدعوتهم ونصحهم. ولكن الرسول ( ص ) الذي اعتمد على الله وتوكل إليه في كل اموره، كان يعلم أن الهداية بيد الله الذي يعين ويهدي من يخشاه، ويطيعه سبحانه وحده دون أحد غيره، بل ويأخذ بيده ويوفقه ويسهل عليه في جميع اموره وما يقوم به.
لقد بين القران الكريم في الكثير ما آياته أن الله أرسل رسله و أنبياءه للأخذ بيد الإنسان وانتشاله من الضلالة والكفر إلى طريق الإيمان والحق وتعليمهم آيات الله وقدرته و ألوهيته. وكما أسلفنا فيما تقدم فان رسولنا ( ص ) قام بأداء الأمانة كاملة وتبليغ الرسالة بكل ثبات وثقة وحرص وشعور عال بعظم المسؤولية، واستمر على هذا المنوال من الإرشاد وكذلك بوسائل و أساليب الترغيب والترهيب والتبشير والتخويف إلى أواخر عمره في هذه الدنيا ، واجمل ذلك في خطبة الوداع عند الحج الأكبر. هذه آيات من الذكر الحكيم تؤكد وتوضح موقف رسول الله ( ص ) من الأمانة العظيمة:
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(164)سورة آل عمران / 164
(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151) سورة البقرة / 151.
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(2). سورة الجمعة / 2.
" أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(70)" سورة التوبة / 70
( " أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(4) سورة العنكبوت / 2 – 4
* " كان الرسول ( ص ) يسبح بحمد الله في جميع أقواله ".
كان رسولنا ( ص ) تنفيذا وإطاعة لقول الله " وكبره تكبيرا – الإسراء – 11 – " يبدأ أقواله ومواعظه ونواهيه أو دعاءه للمؤمنين أو خطابه للناس، بذكر عظمة الخالق وقوته وجبروته وعلو شأنه سبحانه. ويذكر أسماء الله الحسنى ويمجده ويسبحه. وفي هذه الآيات القرآنية توضيح وبيان في كيفية خطاب الرسول ( ص ):
" قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَه ُتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)" آل عمران / 26 – 27
"قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29) " آل عمران / 29 .
" قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ(57)" سورة الأنعام / 57.
" "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257) سورة البقرة / 257
"قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(158) " سورة الأعراف / 158
"قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا(109) " سورة الكهف / 109.
"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)" سورة الإخلاص / 1 – 4
وفي نصحه ( ص ) لأحد المؤمنين ذكره ابتداء بجلال الله وعظمته:
" قال ( ص ) ينصح سعد بن أبي وقاص ( رض ) ( قل لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد... ) . 19
(وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ(6) سورة العنكبوت / 6
إن من يتخذ من الرسول ( ص ) مثالا وقدوة حسنة في حياته ويجعل خلقه القويم وسنته المطهرة نبراسا أمامه، ومن القران وأحكامه طريقا وسبيلا في حياته، هذا المؤمن عليه أن لا يتكلم إلا وكلامه مسبوق ومقرون بذكر الله تعالى وتسبيحه وتنزيهه وذكر جلاله وقدرته وعظم نعمه وآلائه، وان يجعل من اسلوبه وسيلة لزيادة تعظيم الله ومحبته وطاعته. وقد أكد النبي ( ص ) على أن المؤمن يجب أن يبغي ويهدف حب الله تعالى، وانه يكون حب الرسول ( ص ) في قلب كل مؤمن أيضا، في الحديث الشريف :
" أحبوا الله كما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني لله تعالى ". 20
" مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(5)" سورة العنكبوت / 5.
( ما شاء الله )
لوحة بخط الخطاط حسين قوطلو
* " كان رسولنا ( ص ) مبشرا " .
قال الله تعالى
Mahmud Celaleddin. A calligraphic inscription
in the celi thuluth script containing an Arabic couplet reading
"Muhammad is a man, but not like all men. He is as a ruby among
stones." |
" يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)" الأحزاب / 45
هذه الآية تأكيد على أن نبينا كان بشيرا للناس إلى جانب كونه نذيرا لقومه وللعالمين، أنذرهم وحذرهم من نار جهنم وعذابه وبشرهم ورغبهم إلى نعيم الجنان والخلود فيها إذا ما كانت أعمالهم صالحة، أما في الدنيا فقد بشرهم بغلبة الخير على الشر والصلاح على الفساد، وفي الآخرة الخلود والبقاء الأبدي إما في الجنة أو في النار.
" وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(105)" سورة الإسراء / 105.
" إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ(119)" سورة البقرة / 119
" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(28)" سورة سبأ / 28.
إن من واجب المؤمنين الذين يتخذون من الرسول قدوة ومثالا لهم أن يكون اسلوبهم في الدعوة، ترغيب الناس وتبشيرهم، وهذا ما يؤكده حديث الرسول ( ص ):
" يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا، وإذا غضبت فاسكت ..." 21
إن اتباع سبيل التبشير والترغيب يزيد من ثقة المؤمن وحماسه واندفاعه للعمل، وبالتالي بلوغه النجاح الذي يقصده. ومن يعمل في الدعوة وأمام عينيه رضا الله وثوابه والجنة ونعيمها سوف يكون بلا شك على درجة عالية من الاطمئنان والراحة والاستقرار النفسي، ويختلف كليا عن ذلك الإنسان الذي يشعر انه مجبر على أداء عمل ممل كئيب رتيب، مفروض عليه ومجبر على أداءه. يقول الله تعالى:
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا(84) النساء / 84.
داعيا المؤمنين إلى اتخاذ التبشير اسلوبا ووسيلة. وفي آية أخرى :
" وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا(47)" سورة الأحزاب / 47
وكلها تأكيد وترغيب على اسلوب التبشير. إن المؤمن الذي يتبع أوامر الله ويسلك سنه رسوله لابد له وان يكون مبشرا بدعوته بالترغيب إلى نشر الروح السمحة العالية بين المؤمنين ويزيد من شوقهم ويلهب عواطفهم ويكسب قلوبهم. ويجب أن يكون في حسبان المؤمن أن الكلام والدعوة بطريقة غير ملائمة وغير لائقة تجعل الأمور السهلة واليسيرة تبدو وكأنها في غاية التعقيد والصعوبة، وهذا فيه إحباط له وللمؤمنين وتثبيط لروحهم المعنوية. كما وإنه ليس من صفات المؤمن ولا من شيمه إخفاء مظاهر الجمال والسلاسة فيما بشر به الله في القران من نعيم وسلام وخير. وليكن الخلق القرآني لنبينا ( ص ) نبراسا في اسلوب دعوته وتذكير المسلمين بنعم الله وفضله وآلائه، مما سوف يخلق لدى المسلم حالة من الشوق والحيوية والاندفاع ونبض عال للحياة والعمل. لنتذكر قول الله تعالى الذي بشر برحمة الله ومغفرته لعباده المذنبين:
" قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)" سورة الزمر / 53.
"وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54) " سورة الأنعام / 54.
أما الجنة ونعيمها المقيم فهي الهدف المقصود الآخر للتبشير:
" قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(15)" سورة آل عمران / 15.
وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(25)" سورة البقرة الآية / 25.
* النبي يذكّر قومه أنه بشر
التكّبر من صفات وخصائص الكافرين. وهذا التعنت والتكبر دفهم إلى إنكار الرسالات وتكذيب المرسلين والأنبياء متذرعين بحجج وأوهام وأسباب واهية. ومن هذه الحجج انهم يؤمنون فقط لأنبياء يتصفون بصفات تفوق ما يتمتع به الإنسان العادي من البشر. في حين أن النبي نبه قومه والناس أجمعين انه بشر وعبد من عبيد الله تعالى وان لا ينتظروا منه شيئا فوق هذا الوضع الطبيعي وان الخلاص فقط في التوجه إلى الله والالتزام والاعتصام به وحده.
Haf?z Halil Efendi. Tezhip decoration. Verses
from Surat al-Fatiha:1-7: "Praise to be Allah, the Lord of
all the worlds, the All-Merciful, the Most Merciful, the King of
the Day of Judgement. You alone we worship. You alone we ask for
help. Guide us on the Straight Path, the Path of those You have
blessed, not of those with anger on them, nor of the misguided. |
وفي الآيات القرآنية آلاتية تأكيد بل وأمر للرسول ( ص ) لإبلاغ هذه الحقيقة إلى الناس كافة:
" قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)" سورة الكهف / 110
" قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا(95)قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(96)" سورة الإسراء / 95 – 96
وكان النبي ( ص ) يذكر قومه ويؤكد عليهم أنه أمر أن يؤمن بالله وبطبعه وهو مسؤول عن تبليغ ما يؤمر به، ومن أنكر فعليه وزره وليس الرسول ( ص ) عليهم بوكيل. تقول الآية الكريمة:
" وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ(91)وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(93) " سورة النحل / 91 – 93.
" وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ(128)" سورة النحل / 127 – 128
"هَاأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(119)إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)" سورة آل عمران / 119 – 120
"وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ(124)" سورة الأنعام / 124
* " الرسول ( ص ) خفف عن المسلمين ويسّر لهم"
The Muayyad Mosque by David Roberts. |
كان النبي ( ص ) يلتزم جانب اليسر من الأمور وقد خفف عن كاهل المؤمنين الكثير من الأحمال والأغلال، كما كان مرشدا وموجها لهم في إيجاد الحلول الميسرة لمشاكلهم وما لا يطيقون على أدائه أو القيام به من أعمال.
يؤمن بعض الناس بأمور يبتدعونها لأنفسهم مما يوقع عليهم الكثير من الظلم والإرهاق، وهم أيضا يضعون لأنفسهم قوانين وقواعد يعتقدون ويتصورون إن فيها الراحة والخلاص من المشاكل. ولكنها لا تأتي لهم إلا بالمزيد من المتاعب والصعاب. وربما كانت خاصية الابتداع هذه وعلى مر التاريخ، سببا في ظهور التحريف في الأديان السماوية والعقائد. ولقد قام الكثير من المجتمعات البشرية بوضع تعاليم وطرق مبتكرة جديدة ادخلوها على أصول الأديان وحاولوا تبريرها واعتبارها من مستلزمات الإيمان العميق والتقوى الواجب اتباعها، وحثوا الناس على التمسك بها. ولا ريب إن من أهم صفات الرسول ( ص ) رفع هذه الأوزار والأحمال التي يحاول الإنسان وضعها وإضافتها على كاهله، وتحريرهم منها ومن قيودها. وتوضح الآية آلاتية هذه الخاصية للرسول ( ص ):
" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(157)" سورة الأعراف / 157.
إن كلمات "إصرهم"، " والأغلال" هي أوصاف للأثقال والأحمال التي يرزخ تحتها الإنسان. ولعل سيرة النبي ( ص ) وإرشاداته للمؤمنين وأفعاله في حياته خير مرشد للمؤمنين في كل زمان في فهم معنى الآية الكريمة حينما دعاهم إلى كل ما فيه الخير ونهاهم عن الشر والأذى بكل أشكاله، وبذلك خفف من معاناتهم ومصاعبهم. إن خشية النبي من ربه وتقواه من اجمل واعظم العبر في سيرته أعطى المثل الرائع للاقتداء. وكان ( ص ) دائما وأبدا على طريق الحق القويم ولم يخشى غير بارئه ولم يتبع سبيل وهوى الناس ورغباتهم. وهذا الخلق القرآني هو مصدر الجمال والتيسير للإنسان. في حين يعتبر سعي الإنسان إلى كسب رضا الناس والفوز بإعجابهم، أو محاولة إرضاء الله والناس معا والركض وراء سماء الثناء والمديح، من أسباب وضع المزيد من الأثقال والأوزار والأعباء على كواهلهم. إن مثل هؤلاء الناس لا يصلون إلى مبتغاهم في الحصول على تقدير وإعجاب الناس كلهم، ولا إلى ما ينتظرونه ويتوقعونه من التباهي وكيل المديح. بل ولعلهم يفقدون خاصية التصرف والتحرك بحرية دون قيود ذاتية، كما يفقدون حرية التفكير الطليق، ويعيشون ويتحركون في جو من القلق وفقدان الثقة، وتظهر عندهم الحساسية من أدنى إشارة أو علامة على وجوه من كانوا يبغون إرضاءهم وسماع المديح وألتزلف منهم، وبالتالي يخسرون حتى احترام هؤلاء.
إن المسلمين إذا ما ابتغوا رضا الله وحده ولم يخشوا إلا خالقهم ولم يحسبوا حسابا لإراء الناس عنهم ولم يعيروا أية أهمية لانتقاداتهم والهمز واللمز الصادرة منهم، فلن يقعوا في مثل هذه المواقف المحرجة والمذلة. وبذلك فهم دائما وأبدا في راحة واطمئنان. ولأنهم يعرفون بان الله وحده هو من يحاسبهم ويعفو عن أخطائهم وانهم مسؤولون ومحاسبون أمامه لا غيره، فسوف يتعاظم نقاء سريرتهم وصفاء فكرهم وراحة بالهم وسرائرهم، ولا يسمحون للقلق أو الضيق أن يدخل إلى نفوسهم.
وهكذا فان نبينا ( ص ) بأقواله وأفعاله علم المؤمنين معاني الإخلاص الكامل والعيش بعزة وكرامة دون ابتغاء مرضاة الناس. وكان المثال الطيب لبلوغ مراتب الكمال والالتزام بمعاني الجمال والخير في حياتهم الدنيا وفي آخرتهم. هذا الفرق الكبير والبون الشاسع بين المؤمن المخلص لله وحده. وبين من يشرك به ولا ينزهه توضحه هذه الآية:
" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(29)" سورة الزمر / 29.
لم يكن الشرك بالله العبء الوحيد الذي رفعه نبينا ( ص ) عن عاتق المؤمنين وإنما يسر لهم كل عسر، وسهل لهم الصعاب والمشاق ودعاهم إلى كل ما هو جميل ودلهم إلى حلول كل مشكل. لذا فان السائرين في سبيله وعلى سنته الطاهرة يعيشون حياة نظيفة منظمة وخالية من التعقيدات والأزمات، وكما عبر عن ذلك هذا الحديث الشريف:
" ... فان استطعت أن تعمل لله تعالى بالرضا في اليقين فافعل، وان لم تستطع فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ... لا يغلب عسر يسرين ..." ( 22 )
" عن أنس ( رض ). قال كان النبي ( ص ) جالسا وحياله حجر فقال ( إذا دخل العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه) 23
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(157)" سورة الأعراف / 157
" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(16)" سورة التوبة / 16. * نبينا ( ص ) بالمؤمنين رؤوف رحيم
كان الرسول ( ص ) ذا قلب كبير، شفوقا، نقي السريرة زاخر بالحب والكياسة، خفض جناحه لأهله وللمؤمنين والاقربين إليه. رعاهم واخذ بأيديهم وتعلقوا به، واهتم بأمورهم الدنيوية وأوضاعهم الحياتية، كان يحميهم ويتابع نصحه وإرشاده لهم لرفع درجات إيمانهم وتقويتها، لتهيئتهم للحياة الأخرى. هذه الخصائص الإنسانية الرفيعة لنبينا ( ص ) التي تعتبر نموذجا لكل البشرية وصفها القران الكريم في قوله تعالى:
" لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)" سورة التوبة / 128.
والمؤمنون الذين تدربوا وتخرجوا من مدرسة الرسول ( ص )، اتبعوا وتمسكوا بسيرته وأخلاقه الفاضلة وخصائصه الجميلة، ولهذا فقد جاء ذكرهم في آيات القران الكريم بوصفهم رحماء فيما بينهم ومضحين في سبيل عقيدتهم، وهذه الآية الكريمة توضح التضحية والإيثار بين المؤمنين:
" وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(9)" سورة الحشر/9
حتى إن الأسرى من الأعداء لم يحرموا من روح التسامح والرحمة التي أظهرها المؤمنون الذين تربوا وتعلموا في كنف الرسول ( ص ) واخذوا دروسهم في المدرسة القرآنية. توضح الآية آلاتية هذه الأخلاق الرفيعة والشمائل العالية:
" وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا(10)" سورة الإنسان / 8 – 10
وكما كان الرسول ( ص ) يوصي بالرحمة والرأفة، فقد كان نفسه مثالا حيا أمامهم
" ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم …. ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون" 24
" من لا يرحم لا يرحم" 25
" إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه" 26
( " وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(90) سورة النمل / 90.
" وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(89)" سورة النحل / 89) * نبينا يستغفر للمؤمنين ويدعو لهم".
كان النبي ( ص ) يستغفر للمؤمنين ويدو لهم عند ربه ليغفر لهم خطاياهم لحبه الكبير لأصحابه وتعلقه الشديد بهم. هذه الآيات تبين أمر الله لنبيه:
" يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(12) " سورة الممتحنة / 12.
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19). سورة محمد / 19.
" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(62) " سورة النور / 62
وفي سورة التوبة اخبر رسوله أن يدعو للمؤمنين:
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103) سورة التوبة / 103
وكما تدل عليه الآية فإن دعاء الرسول فيه راحة وهدوء وسلام للمؤمنين. ولا ننسى إن مصدر الراحة والطمأنينة للقلب هو من الله وحده، هو وليهم وحاميهم وراعيهم، جعل من دعاء الرسول ( ص ) وسيلة وسببا لبسط رحمته وشفقته وحمايته ورعايته للمؤمنين، ومن سيرته وأخلاقه الفاضلة مظهرا بارزا ومثالا حيا يحتذى.
لقد نبه الرسول ( ص ) المؤمنين إلى ناحية هامة في موضوع الدعاء والاستغفار حين قال
" ادعوا لله وانتم موقنون بالإجابة" 27
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26) سورة يونس / 26 * الرسول ( ص ) يأخذ الصدقات من المؤمنين ليزكيهم ويطهرهم بها"
يقول الله تعالى
" خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)" التوبة / 103
في الآية دلائل على أن الله أمر حبيبه المصطفى بأخذ الصدقات من أموال المسلمين لتكون وسيلة وسببا لتطهيرهم وتنقيتهم من الأردان. إن الرسول ( ص ) المبعوث من الله تعالى يتبع ويسلك في كل أعماله وتصرفاته طاعة الله والرضوخ لأوامره. ومنبع إيمان الرسول ( ص ) ومصدر أخلاقه الفاضلة وسيرته الطاهرة هو إيمانه بربوبية من لا شريك له، واعتصامه المتين بحبل الله وعروته الوثقى وتوجهه إليه سبحانه في كل حال ومآل. وكان لحرصه الشديد لامتثال أوامر ربه وتعلقه بها أن جعل الله مثال الأخلاق العظيمة للعالمين جميعا. هذه الحقائق هي نبراس للمؤمنين ليشاهدوا ويؤمنوا أن لا سبيل أمامهم إلا اتباع الوحي الإلهي وتعليمات رسوله في الالتزام بفضائل الأخلاق، وان يظهروا ذلك قولا وفعلا للناس أجمعين.
(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(7) سورة الكهف /7
* " الرسول ( ص ) يستشير المؤمنين"
تنفيذا وطاعة لأمر ربه، كان الرسول ( ص ) يستشير أصحابه المؤمنين ويقف على آرائهم وأفكارهم. جاء في الآية:
" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(109)" آل عمران / 109
بعد أن يستشير أصحابه في أمر من الأمور، كان الرسول ( ص ) يقرر ما يتوصل إليه من قرار ثم يتوكل على الله. ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن جميع القرارات وما ينتج عنها، معروفة لدى الله تعالى مسبقا لإحاطته بكل شيء علما وتقديره لكل أمر في قضائه. ويعتبر الاستشارة في أي موضوع ثم اتخاذ القرار على ضوئها، عبادة من العبادات بحد ذاتها. وقد أدرك سيدنا الرسول ( ص ) هذه الحقيقة واستشار أصحابه واتخذ قراراته وهو يعلم حق العلم، إن الله تعالى سيختار ما فيه الخير للمسلمين.
ومما لا ريب فيه أن الاستشارة تأتي للمؤمنين بالخير وبنتائج طيبة. فقبل كل شيء فان المؤمن الذي يلجأ إلى الاستشارة يكون قد اظهر مسبقا خلقا رفيعا يدل على التواضع الكبير وعدم الإعجاب بالنفس والتكبر. والنبي ( ص ) كما هو معلوم هو اكثر الناس إدراكا واعقل الناس وعلى بصيرة ودراية عالية وفراسة ونظر ثاقب. ومع ذلك فقد كان يستشير من حوله ويقف على آرائهم وأفكارهم ويسمع ما يقولون وما يأتون به من أفكار ومقترحات. وهذه دلالة على تواضعه الكبير وروحه المتفتحة السمحة.
إن المسلمين أيضا إذا ما اعتقدوا أنهم " ليسوا الوحيدين الذين يعلمون أكثر من غيرهم" ويستشيرون غيرهم من المؤمنين فإنهم حتما سيتوصلون إلى أجمل النتائج وأحسنها وأكثرها خيرا وفضلا. وبهذا التصرف يكون المسلم قد اقتدى برسوله وبخلقه الكريم ونفذ فعلا إحدى خصائله الحميدة فيكسب حب المؤمنين ورضا الله تعالى، ويكون من جانب آخر قد ابتعد عن التكبر والعجرفة والإعجاب بالنفس، وهذه البلايا التي تصيب الإنسان. لاسيما وان الله ذكر في القران
" فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(76) " سورة يوسف / 76.
وفي هذه الآية تأكيد على أن المؤمن مطلوب منه الابتعاد عن العجرفة والتفرد بالرأي والأنانية في التفكير، وعليه أيضا الاستفادة من خبرات غيره من المؤمنين للحصول على نتائج أفضل فيها كل الخير والصلاح.
في حديث نبوي، يذكر الرسول ( ص ) المؤمنين بضرورة التشاور فيما بينهم حيث قال
" إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه" 28
إن كل طريق أو سبيل يبينه الله في القران أو مارسه الرسول ( ص ) في حياته من أفعال أو ما إختصى به من خصال هي سبل خير وبركة للمؤمنين إذا ما اتبعوها والتزموا بها. والتشاور هو أحد هذه السبل. إن معرفة أوامر الله ونواهيه وحياة النبي ( ص ) وسيرته وشمائله، ثم أداء العبادات والفرائض على أجمل وجه توصلنا إلى ما نبتغيه من الخلق القويم والخصال الحميدة.
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(31). سورة النجم / 31.
" وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(61)". سورة يونس / 61.
" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38)" سورة الزمر / 38 * الشرف والمقام الرفيع عطاء من الله إلى رسوله ( ص )
" وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)" سورة الانشراح / 4.
عرف الناس الرسول ( ص ) وسمعوا به في حياته وبعد وفاته. فبعد مضي 1400 سنة هاهي الدنيا كلها تعرفه حق المعرفة، وطوال هذه السنين الغابرة وملايين الملايين من البشر أتبعوه ويمسكوا بهديه وشرعه دون أن يحظوا بسعادة رؤيته، وأحبوه وتعلقوا بأوصافه ودعوا الله أن يكونوا قريبا منه في نعيم الجنان، ولا يزالون، وسوف يبقون هكذا إلى ما شاء الله.
هذه المكانة العالية والقدر الرفيع لرسول الله ( ص ) ذكرته آيات قرآنية عديدة:
" إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19)ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(21)وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ(22)" سورة التكوير/ 19 – 22.
" إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(40)" سورة الحاقة / 40.
لقد ذكر الله في آيات في القران أسماء العديد من الأنبياء والرسل أمثال نوح وإلياس وموسى وهارون عليهم السلام وغيرهم كثيرون، ووصف مكانتهم العالية وشرفهم الرفيع. إن معظم الناس يقضون حياتهم ويفنون أعمارهم بحثا وراء الشرف والاسم الرفيع والشهرة، ويبذلون لأجل ذلك وللوصول إليها الكثير من الجهد، وينحرفون مع شهوات الدنيا وملذاتها، وبعضهم يركبهم الغرور والتكبر على الناس، فهم في بحثهم عن الشرف يفقدون شرفهم وشخصيتهم. في حين أن المكانة الرفيعة والعزة والشرف ما هي إلا فضل ونعمة من الله تعالى لا يبلغها إلا من التزم بخلق القران وآدابه.
جاء في الآية الكريمة:
" وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ(71)" المؤمنون / 71
ولعل السبيل الوحيدة أمام المؤمن لبلوغ مراتب متقدمة ومقام رفيع هو في التزامه بأحكام الوحي المنزل من الله وهو القران، ثم إتباع الأخلاق النبوية العالية. وإنه حقيقة أكيدة لا ريب فيها أن السبل والوسائل الأخرى ليس فيها سوى الخسران والضياع في الحياة الدنيا، ومن ثم في الدار الآخرة الهلاك والعذاب. * " الرسول ( ص ) هو صاحب الفكر الرفيع والأدب السامي ".
في عصر البعثة المحمدية كان معظم الناس الذين حول الرسول ( ص ) على درجة كبيرة من التخلف الفكري والضمور الذهني والتأخر الثقافي. وقد أيدت آيات القران الكريم هذه الحقائق وألمحت إلى العظم الفكري، والغلظة والقساوة في التعامل الإنساني، والإزعاج الذي كانوا يسببونه للرسول ( ص ). من أمثلة هذه التصرفات الخشنة غير اللائقة محاولة الدخول إلى بيوت النبي في أوقات وأماكن غير ملائمة وفي ساعات النهار والليل دون مراعاة لراحة وخصوصية حياة النبي ( ص )، وإطالة الإقامة والتحدث عنده لأوقات طويلة. ولقد عامل النبي ( ص ) أمثال هؤلاء بمنتهى الكياسة واللياقة وعلى أعلى مستويات الأدب الجم والخلق الرفيع، وبكل ذوق ورقة وبشاشة وجه، مع الصبر والتحمل والتأني مقابل ما يأتي منهم من إزعاج وأذى.
وكان عليه الصلاة والسلام بهذا التصرف الإنساني يحافظ على معنوياتهم ولا يؤذي شخصياتهم ويعطيهم المثل إلا على في التصرف والتعامل. وكانت الآيات القرآنية تشد من أزره وتقوي عزيمة، وكانت خير معين له من ربه الرحيم به، الرؤوف بعباده.
" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا" الأحزاب/ 53.
وصلت لنا روايات كثيرة من الصحابة الكرام تدلل على حكمة الرسول ورحابة صدره ورقة تصرفه. ويجب أن لا ننسى أن نبينا ( ص ) إلى جانب كونه صاحب رسالة سماوية، كان يمثل رأس دولة، مما يجعله على اختلاط وتماس كبير مع الناس بدءا من وجهاء القوم وأثريائهم ورؤساء القبائل، إلى الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى. ورغم هذا التنوع والاختلاف الكبير في الشخصيات والمستويات والثقافات الفكري، فقد كان الرسول ( ص ) المثال في كيفية التعامل بكياسة ولياقة وصبر وتحمل وأدب رقيق في التخاطب والتحاور ويبادل الرأي، وإعطاء القرارات والأحكام.
إن ما وصلتنا من تلك الروايات والأحاديث ما يعجز الوصف بالكلمات عن ذكر مزايا النبي ( ص ) والطآفه الإنسانية، من حيث رحابة الصدر والظرافة وبشاشة الوجه واللطف والكياسة، وتطويع كل ذلك في أفعاله وأقواله.
عن عائشة ( رض ): " كان خلقه القرآن".
وعن أنس ( رض ) وهو الذي تربى في بيت الرسول ( ص ) وخدم فيها:
" .... وما كان يأتيه أحد... إلا قام معه في حاجته... وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام ومن قاومه لحاجة صابرة، حتى يكون هو المنصرم، وما أخذ أحدا بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، وكان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأ بالمصافحة...
" .... ولقد كان يدعوا أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم ويكنى من لم تكن له كنية... ويكني أيضا النساء.... ويكني الصبيان فيستلين به قلوبهم...
" ... من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم حديث أولهم... ولا يقطع على أحد حديثة حتى يتجوزه، فيقطعه بانتهاء أو قيام....
" .... خدمت رسول الله ( ص ) عشر سنين والله ما قال لي اف قط ولا قال لشيء لم فعلت كذا أو هلاّ فعلت كذا، وكان النبي ( ص ) أحسن الناس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة فقلت والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا بالنبي ( ص ) قد قبض بقفاي من ورائي فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا أنيس ذهبت حيث أمرتك؟ قلت نعم أنا ذاهب يا رسول الله.... ". 30
قام الرسول ( ص ) في فتره بعثته بتعليم الآلاف من البشر وقد تربى هؤلاء على فضائل الأخلاق ومعاني الجمال والخير والتضحية والحنان والشفقة بعد أن كانوا أناسا قساة جهلة في أمور الدين والدنيا. واستمرت تعاليمه وأحاديثه تفعل فعل المربي والمعلم لملايين من الناس من بعده، فهو بحق أحسن مرشد وخير معلم ومربي. محمد بشر لا كالبشر بل هو كالياقوت بين الحجر
لوحة فنية فيها عبارة عن مدح الرسول ( ص )
بخط الجلي الثلث للخطاط محمود جلال الدين. " قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)" آل عمران / 26 " وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ" البقرة / 101 – 102
* " الرسول ( ص ) كان في حماية الله"
إن الله تعالى يرعى بحفظه الرسول ( ص ) وجميع المؤمنين ويرعاهم ويعينهم. وقد شمل عنايته الرسول ( ص ) وحافظ عليه من مكائد الأعداء ومؤامراتهم ونياتهم الشريرة جاعلا الغشاوة على بصائرهم، وأعان المؤمنين أخذا بيدهم إلى الصواب، وبدل صعابهم إلى يسر ومشاكلهم إلى ما فيه الخير، وقوى من إيمانهم وعزائمهم أمام جميع الصعاب. يقول تعالى واصفا ولايته وصايته لنبيه ( ص ):
" إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)" سورة التوبة / 40.
وكما توضحه الآية، لم يكن النبي ( ص ) بحاجة إلى معنونة أو دعم ونصرة من أحد لان الله تعالى كان خير معين وناصر. ولم يبق النبي ( ص ) تحت وصاية أو حماية أحد أو طرف ممن كانوا حوله، وبذلك كان الرسول ( ص ) بعيدا عن الوقوع تحت منة أو فضل أيا كان مصدره، ويكفيه أن الله تعالى معه مسخرا حتى الملائكة والجن لنصرته إذا ما اقتضى ذلك.
يحث الله نبيه ( ص ) في آية على تبليغ رسالة الحق بكل قوة وتحد وبأس وأن لا يدع للخوف أو التردد مكانا في قلبه، لان الله حافظه:
" يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)" سورة المائدة / 67
لم يدرك أعداء الدين ومنكروا الرسالة قدرة الله لضيق بصائرهم وبصيرتهم فحاولوا وضع العراقيل وكيد المكائد أمام صاحب الرسالة، معتقدين أن بإمكانهم ردع الرسول وتخويفه وإجباره على التخلي عن تبليغ الدعوة، معتمدين على قياساتهم المادية في كونهم أشد منه قوة وأعز نفرا. غير أن الله قلب كيدهم عليهم ورده إلى نحورهم وأحبط ما كانوا يخططونه من خطط للنيل من الرسول( ص ). لم يدرك المشركون أن الله سبحانه علام الغيوب يطلع على أسرارهم ونجواهم وأن ما يعزمون على فعله مكشوفة للنبي ( ص ) بفضل الله، فلا أسرار مخفية عن الله تعالى وأنه ظنوا أنهم يعملون في السر والخفاء. ويقول الله واصفا هؤلاء الغافلين غير المدركين لقدرة الله وبأنه الرسول هو حبيب الله وصفيه وأن عاصمه منهم:
" وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30)" سورة الأنفال / 30.
وفي آية أخرى يخبرنا الله أن المشركين يستطيعوا أن ينالوا من الرسول أو يؤذوه لان الله معه وجبريل وصالح المؤمنين يشدون من أزره:-
" إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)" سورة التحريم / 4.
وفي سورة " الضحى" عدد الله نعمه وفضائله على النبي ( ص ):
" وَالضُّحَى(1)وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2)مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3)وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الْأُولَى(4)وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى(6)وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى(7)وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى(8)" سورة الضحى / 1 – 8
لم يكن الرسول ( ص ) ليخشى شيئا أو يقلق وهو يعلم أن الله معه متوكلا في جميع أموره عليه ومسلما إليه شؤونه كلها. وكان مصدر سكينته وطمأنينة لأصحابه الذين كانوا يرون فيه كل مظاهر التوكل، والثقة من نصر الله وحمايته، وأنه معهم يسمع ويرى جميع ما يحدث وما يجري.
إن المؤمنين الذين يتخذون الرسول ( ص ) قدوة ومرشدا لهم. ينبغي عليهم بل ويتوجب أن لا يقعوا في اليأس والإحباط لان الله تعالى يمنح رعايته وتأييده ورحمة لهم طالما هم على طريق الأعمال الصالحة ويتسابقون في طلب نيل رضا الله ورحمته ونعيم جناته. وقد وعد الله المؤمنين هؤلاء وأمثالهم ما جاء في الآية الكريمة:
" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)". سورة الحج / 40.
* " الرسول ( ص ) واهتمامه البالغ بالنظافة"
من الخصائص المعروفة عن المسلمين عامة، الاهتمام البالغ بأمور النظافة سواء ما يتعلق بنظافة الجسم والأطراف والرأس والوجه، أو نظافة المكان الذي يعيشون فيه والملابس التي يلبسونها والطعام الذي يأكلونه. ويمتاز المسلم الحقيقي إلى جانب نظافة وطهارة قلبه وسرائره، بجمال هندامه ونظافة مظهره وحسن ترتيب مكان عيشه وعمله وطيب رائحته، فهو مبعث السرور والانشراح. ولعل الرسول ( ص ) هو خير مثال أيضا في هذا المجال. يخاطب الله الرسول ( ص ) في آية كريمة.
" يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1)قُمْ فَأَنذِرْ(2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5) "سورة المدثر / 1- 5.
ويخبرنا الله في آية اخرى أن المؤمن يأكل من الطعام النظيف الطاهر، كونه طعاما حلالا له:
" يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(51)" سورة المؤمنون / 51
" يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(4)" سورة المائدة/4.
وفي حديث شريف، يرشد النبي ( ص ) المؤمنين على الالتزام بالنظافة
" إن الإسلام نظيف فتنظفوا فأنه لا يدخل الجنة إلا نظيف" 31 * " أدعية الرسول ( ص )،
يخبرنا القران الكريم قيام الرسول ( ص ) ليلا للدعاء والتضرع.
" وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا(19)قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا(20)". سورة الجن / 19 – 20.
يذكر القران في العديد من الآيات عن أدعية النبي ( ص ) المتضمنة في العادة ذكر الله وعظمته وجلاله وصفاته الجليلة:
" قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) " آل عمران / 26.
لقد واجه النبي ( ص ) مثله مثل بقية الأنبياء والرسل – الكثير من أذى وعداء الإنس والجن، وتحمل منهم، وصبر عليهم. وقد علمه ربه أن يدعوا ويستعين بالله من شرور الشياطين ويلجأ إليه في الملمات:
" وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97)وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِي(98) " سورة المؤمنون / 97 - 98
وطلب منه أن يدعوه ويطلب منه الرحمة والمغفرة:
" الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(11) " سورة المؤمنون / 11
( لوحة فنية مذهبة لسورة فاتحة الكتاب " الآيات 1- 7" بخط حافظ خليل أفندي.
و يروى عن النبي ( ص ) أنه دعا ربه أن ينعم عليه بالأخلاق الحسنة وكمال الأدب
" اللهم جمل خلقي وخلقي..... وأبعدني عن الخلق السيئ". 32
وفي الآية الكريمة:
" قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا(77) " سورة الفرقان / 77
تذكير وتوجيه المؤمنين عن أهمية الدعاء والتضرع إلى الله وكونهما من أهم العبادات. فالإنسان عندما يقع في العجز والضيق يلجأ إلى الدعاء والتضرع والتوسل لرفع البلاء عنه وطلب المدد والفرج منه، وهذا بحد ذاته يرقع من معنوياته، وهو يدرك أن لولا إرادة الله فلن تستطيع قوة أن يغير ويبدل الأحوال. ولعل خير ما يلجأ إليه المؤمن هو ما كان يدعو به النبي ( ص )، وما ورد عن لسان الأنبياء من أدعية مأثورة، لأنها تتضمن توحيد الله وتعظيمه وتنزيهه، وذكر أسمائه الحسنى والتوكل عليه والتسليم إلى أمره. وقد كان رسولنا ( ص ) دائم الدعاء والتضرع والتوسل، يلجأ إلى ذلك في كل وقت وفي جميع الأمور ولقضاء الحاجات في أوقات الضيق.
" لوحة لجامع المؤيد / للرسام دافيد روبرتسن"
" إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(19)" آل عمران / 19.
( لوحة فنية لجامع القائد بيك / بالقاهرة بريشة الرسام لويس كلود موشوت)
" يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ(7)فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ(8) " سورة الانفطار / 6 – 8.
|