ما هو الشرك؟
إن كلمة شرك في اللغة العربية من الشراكة. وهي أن يُجعل لله تعالى شركاء. عندما يُذكر الشرك في القرآن فهو يُذكر في المعنى التالي: إعطاء أهمية كبرى وأولوية لأي شيء، شخص، أو مفهوم ، وإعتباره مساوياً أو حتى متفوقاً على الله تعالى، ومن ثم التصرف والعمل وفق هذا المفهوم المشوه والخاطئ. وهذا يعني أن صاحب هذا المعتقد يعطي صفى الألوهية لخلق الله علماً بأن الله تعالى هو وحده الإله.
إن رسالة القرآن الأساسية هي أن لا إله إلا الله. هذه الحقيقة تتمثل في الشهادة وهي تتكرر باستمرار في القرآن الكريم. ومع ذلك، فيجب على المسلمين أن يفهموا هذه الحقيقة تماماً ويتأملوا فيها بعمق. فإذا أقررنا أن القوة كلها والقدرة لله، وأن لا إله إلا هو تعالى، فهذا لا يُمكن أن يفسر ويفهم بطريقة سطحية. ومتى نظرنا إلى القرآن أدركنا أن أي معتقد، موقف أو تصرف آخر لا يرتكز على هذه الحقيقة هو شرك في الواقع. وهكذا، فإننا نستطيع أن ننظر إلى الشرك في معناه العام على أنه أي مفهوم خاطئ يقوم على أن أي شخص، شيء، أو إله يملك القوة والقدرة غير الله تعالى.
وفقاً للقرآن، فإن الإله هو كينونة تملك الصفات والقدرات التي إنفرد بها الله.فبما أنه ليس هنالك من مخلوق يملك هذه الصفات والقدرات، فإذاً لا يوجد إله غيره تعالى. والقول بغير ذلك يعني أن هنالك آلهة أخرى تُعبد ويعني أيضاً جعل الشرك بالله.
هنا، علينا أن نقوم بتمييز مهم. فمثلاً، الغني ألذي هو إسماً من أسماء الله تعالى، يطلق إيضاً على الشخص الغني مادياً. إلا أن ما يؤدي إلى الشرك هو الإعتقاد بأن غنى هذا الشخص قد حصل بسبب مجهوده الشخصي. ففي هذا الحال، فستنسى الحقيقة التي تنص على أن الغنى كله في الواقع لله. والإعتقاد الصحيح هنا أنه لحكمةٍ ما، أراد الله أن يعطي هذا الشخص كل ما يملك، ويعطيه بذلك صفة الغني. غير أن الناس تنسى، أو تتجاهل واقع أن الله قد ينزع ما يشاء ممن يشاء متى يشاء. إن عدم القدرة على إدراك أن أي شخص هو في الواقع فقير وضعيف يجعل الناس غير قادرين على فهم حقيقة أن الله تعالى قد يظهر صفاته في أي شخص يختاره، وكنتيجة لذلك، قد يعتبر الناس أن هذا الشخص هو المالك الحقيقي لهذه الأشياء والممتلكات والثروات والصفات. ولكن بما أن جميع هذه الأشياء موهوبة من الله، وليست محصلة بسبب المجهود الفردي لهذا الإنسان، فإن هذا الفهم الخاطئ قد يتسبب للناس بنسيان ربهم والغفلة عنه وإعطاء صفة الألوهية لغيره. ومتى حصل ذلك من الإنسان فقد وقع في الشرك.
فيجب إذاً علينا أن نتيقن أن الله هو المالك الحقيقي لكل الثروات، بغض النظر عن مكانها وأعدادها، وأنه قادر على نزعها من أي شخص وفي أي وقت. حين نقيم شخص غني ما، فإن ما يهم ليس وضعه المادي، بل علينا أن ننظر إليه على أنه مجرد عبد لله تعالى. فمثلاً، إن كان فرد في عائلة ما ينظر إلى الأب على أنه المالك الحقيقي لثروته، فهو مرتكباً لإثم عظيم. وكمثل آخر، فإن على من يعمل في مجال ما التيقن بأن الله هو وحده الذي يطعمه، يكسوه، ويأويه. فليس من المنطق النظر إلى مستخدمه على أنه هو الرازق.
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (العنكبوت:17)
إضافة إلى ذلك، يبيّن لنا القرآن أن لا قوّة إلا بالله (الكهف 39) فكل ما يشبه القوة في مخلوقاته ليس إلا إنعكاساً لقوته تعالى، وهو القادر على نزع هذه الصفات في أي وقت. إن المبالغة في تقدير أي إنسان بسبب صفات أمده الله بها كإختبار له في هذه الدنيا، والإعجاب الشديد به كما لو أن هذه الصفات كانت متأصلة فيه، هو في الواقع وضع هذا الإنسان في مرتبة الألوهية.
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحـج: 74)
والمنطق نفسه ينطبق على صفات الله الأخرى التي يمد بها أو يعكسها في عباده وخلقه. فعلينا أن ندرك أن هذه الصفات لله تعالى وحده وما نراه في خلقه ليس إلا إنعكاسات لهذه الصفات.
بداية الشرك
إن الخطأ العظيم الذي يتمثل في إعطاء ذاتية مستقلة لمخلوقات الله وإعتبار وجودهم قائم بذاته ومستقل عن الله يؤدي إلى الشرك. فالله يعطي الثروات، الجمال، القوة والمجد ولكن الإنسان الذي يُعطى هذه الصفات لا يملكها حقاً وليس هو الذي أوجدها، ولا هو ولا ما يملك موجود بشكل مستقل عن الله. إن من لا يدرك هذه الحقيقة غالباً ما يُظهر الإعجاب أو الخوف من هؤلاء الذين اُعطاهم الله هذه الصفات، معتقداً بأنهم بطريقة ما مستقلون عن الله. ومن هنا يبدأ الشرك.
كما سنرى في الفصول التالية، فإن هذا المعتقد الذي يتمثل في نسب القدرة والصفات إلى المخلوقات هو الإساس لكل أشكال الشرك والوثنية. على المؤمنين الحقيقيين أن يأسسوا إيمانهم على التوحيد، وأن يجتنبوا الشرك بالله تعالى. على الناس أن يتذكروا دائماً أنهم مدينون لله بكل ما يملكون وأنهم خُلقوا بإرادة الله وحده. هو الذي يحييهم ويميتهم، فهو يفعل ما يشاء، يرزق من يشاء من عباده بما يشاء من الصفات.
القوة، الذكاء، الجمال، الشهرة، والمراكز العليا هي منح ونعم من خلق الله. وبما أنّه هو تعالى خالقها، فهو ينزعها متى يشاء. إن الله يظهر قدراته في أشكال مختلفة، في كل المواضع وفي كل العباد. وهذه التجليات هي التي نراها حيثما نظرنا. يجب على المؤمنين بالله تعالى أن يرسخوا في قلوبهم حقيقة أن لا شيء موجود مستقل عن الله. فقط عندما يبنوا إيمانهم، تأملهم، وتصرفهم على هذه الحقيقة سينتهوا من الشرك بالله تعالى.
التبريرات الباطلة للمشركين
يمكننا تعلم المعاني الصحيحة للشرك، التوحيد، والعبادة من القرآن الكريم. فقط عندما نقرأ القرآن ونفقه معانيه ونسعى لتحقيق هذه المعاني في حياتنا يصبح لدينا الفهم، الإيمان، والتصرف الصحيح جاعلين الله إلهنا في جميع الأمور ومجتنبين خطأ الشرك به تعالى. فإذاً، على من يؤمن بالقرآن ويوقن أنه الحق أن لا يتبنى أي مقياس أو مرجع آخر عندما يتعلق الأمر بالإيمان، التفكر، الفهم الأخلاقي، طريقة العيش، وأحكام مهمة أخرى. فإن محاولة الإنسان لتبرير تفضيله للبدائل عن أوامر الله ناسياً بذلك الحدود التي وضعها تعالى قد تؤدي به إلى الشرك.
هكذا تبرير لا يصح أبداً. فمثلاً، تفضيل نيل إستحسان شخص ما والسعي إلى إرضائه عوضاً عن إرضاء الله يعني إتخاذ إلهٍ آخر. الخوف من شخص ما أكثر من الله وتوقيره بنفس الدرجة التي يُوقر بها الله أو حتى أكثر، مما يؤدي إلى ترك نواهيه والتصرف بما لا يرضيه يشكل أيضاً نوعاً من أنواع الشرك. أن يحب الإنسان شخص ما كحبه لله أو أكثر، ذلك أيضاً في خانة الشرك. إذا أشار شخص مدرك لأهمية العيش ضمن نطاق الشريعة والإيمان إلى المجتمع المحيط به، كتبرير لممارساته وإعتقاداته الخاطئة، وحتى لا يتسبب لنفسه بالنقد، فهذا دليل واضح على الشرك. فعلى الإنسان أن يُدرك من هو الأولى بأن يُرضيه. إن عائلة شخص ما أو أقربائه قد لا يفقهون الإسلام، وفي هذه الحال، فإن أي إنحراف عن متطلبات هذا الدين وتقديم التنازلات لإرضائهم يقع في نفس الخانة. ليس من مسلم يقوم بتقديم التنازلات على حساب رضوان الله. فرضوانه تعالى هو فقط ما يهم. بالتأكيد ما من أحد قد يود أن يقلّل من حبه وإحترامه لعائلته. ولكن بحال أراد أفراد هذه العائلة منه أن يشرك بالله فإن الله يقول في ذلك:
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (العنكبوت:8)
أن أفضل مثال للتعامل مع غير المسلمين هو الرسول (ص). فعندما كان الرسول يبلغ الرسالة التي جاء بها أدرك الكثيرون بأن هذا هو الحق الذي يجب إتباعه، ولكن القليل منهم طبّقوا فعليّاً أحكام الدين واتبعوا الرسول. فمثلاً، بُعيد هجرة الرسول (ص)، أنزلت الآيات التي تتناول لباس المرأة الشرعي :
عن صفية بنت شعبة : كنا مع عائشة (ر) فذكرنا نسوة قريش وفضائلهم. فقالت عائشة (ر): إن نسوة قريش فيهن الخير، ولكني والله لم أرَ مثل نسوة الأنصار. فعندما أنزلت ألآية: {…وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ...} ذهب إليهم رجالهم يتلون عليهم هذه الآية، كل رجل يتلوها على زوجته، إبنته، أخته أو أقرباءه ، نهضت كل إمرأة، فأخذت بإزرها وإختمرت به إيماناً بما أنزل الله تعالى.(تفسير إبن كثير، سورة النور).
أثناء بعثة الرسول(ص)، كانت النساء المؤمنات سريعات الإمتثال لإوامر الله، وكانت طاعتهن نابعة عن شوق ورغبة. وكذلك فعلت المؤمنات التي أتين من بعدهن، بطاعتهن للفرائض بكل رغبة وتصميم.
أما البعض الآخر، فقد خشي ردة فعل المجتمعات التي يعيش فيها، فخضع لتهديداتها، وخاف من فقدان موقعه ومنزلته، وحسب أنه سيخسر الكثير في حال إستجاب للرسول (ص) ووقف مع المسلمين للجهاد في سبيل الدين. وبسبب صعوبة الأحوال في هذا المحيط، فقد خاف البعض مما قد يصيبهم، واعتبر البعض الآخر إن الجهاد مع الرسول (ص) في حر الصحراء عمل شاق واستحبوا شهواتهم الدنيا.
وكخلاصة، فقد حاول هؤلاء الإتيان بكل أنواع التبريرات والذرائع للتهرب من متطلبات الإيمان. ولكن وفقاّ للقرآن الكريم نستطيع أن ندرك أنهم بعملهم هذا كانوا يجعلون لله الأنداد ويشركون به. فمع أنهم عرفوا الحق في إنفسهم إلا أنهم فضلوا أشخاصاً آخرين، أو حتى مجتمع بأكمله، أو مال، أو منزلة إجتماعية، أو شهواتهم على رضوان الله تعالى. فهم سعوا لإرضاء غير الله، وأملوا بالخلاص بالإستعانة بوسائل غيره تعالى. فخاف أكثرهم من نقد المجتمع لهم، وترددوا في وجه التهديدات، وخافوا على مناصبهم، ورأوا إن إتباع الرسول سيؤثر على مصالحهم، وأنهم سوف يخسرون الكثير في حال إسلامهم، وفضل البعض الآخر الراحة والرفاهية على الهجرة إلى المدينة مع النبي (ص).
لقد قام الكثير من هؤلاء بالتنازلات بسبب شهواتهم الدنيا أو إشباعاً لرغباتهم، أو تهرباً من أية تضحيات:
وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (الأحزاب: 13)
كما رأينا، فقد جاء هؤلاء بمختلف الأعذار لكي لا يرافقوا النبي (ص) والمؤمنين، ولكي لا يجعلوا للإسلام حيزاً في قلوبهم. وربما حاولوا تبرير مواقفهم للآخرين وإقناعهم بمنطقهم، ولكن هذه الأعذار باطلة عند الله تعالى وما كانوا يخدعون إلا أنفسهم. فبإتباعهم لشهواتهم وتفضيلها على رضوان الله، فقد كانوا بفعلهم هذا يجعلون الأنداد لله تعالى.
إن الذين كانوا على عهد الرسول (ص) إمتُحنوا وِفق هذا الزمان. والناس اليوم أيضاً يُمتحنون بنفس الطريقة. فالله وحده يعلم مدى صدقهم حين يختارون بين رغباتهم الخاصة ورضوانه تعالى، ويعلم أيضاً حين يتذرعون كما فعل الذين من قبلهم. وكل شخص سيثاب في الآخرة بما يتلائم مع أعماله في هذه الدنيا:
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (الروم: 57)
فإذاً على الناس اليوم أن لا يهجروا القرآن الكريم وأن لا يختلقوا الأعذار لينصرفوا عن الإسلام .
أساساً، إن من يشرك بالله فقد إتخذ كمشرع شخص أو أي شيء آخر غير الله تعالى. هذا الند المساوي لله قد يكون هو نفسه، أفراد عائلته أو أسلافه، أصدقاءه، مستخدميه، مجتمعه، أو مؤسسي وأتباع مختلف الأديان والفلسفات. فإذا نظرنا إلى الأمر من هذه الناحية، فإن من يبتغي غير سبيل الإسلام، فقد إختار سواء عن علم أم لا، الشرك. بغض النظر عن ما يدعون أنفسهم (ملحدين، غنّوصيين، نصارى، يهود، أو مسلمين)، فهم مشركون. حتى ولو كانوا يقيمون الصلوات الخمس، يصومون، ويؤدون الحج وطقوس إسلامية أخرى، مسيبقون على شركهم في حال كانت واحدة فقط من معتقداتهم تتعارض مع القرآن، في حال تركوا أوامر الله، أو سعوا إلى إرضاء غيره على حسابه تعالى.
أن من يشرك بالله قد لا يعلم أو يشعر بذلك وهو لن يقول " لقد جعلت من هذا أو ذلك إلهاً أعبده من دون الله "، فالشرك أولاً في القلب ثم ينعكس على الأعمال. وكما يوضح لنا القرآن فإن تفضيل الناس لأي أحد أو شيء على الله يجعل من الشخص مشرك. غير أن هؤلاء عادة لا ينكرون وجود الله وهم لا يُقرون بشركهم. وبطمسهم ضمائرهم وخداع أنفسهم، فسينكرون شركهم حتى في الآخرة:
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23)انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ(24) ) الأنعام :22-24)
|